سيد محمد طنطاوي

239

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل التهكم بهم ، إذ هم في هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده . ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال : * ( لا ظَلِيلٍ ) * أي : ليس هو بظل على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه . ثم وصفه بصفة ثالثة فقال : * ( ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) * أي : أن هذا الظل الذي تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإغناء ، من حر لهب جهنم التي هي مأواكم ونهايتكم . وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة . . وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب . وهذه الصفات إنما جيء بها لدفع ما يوهمه لفظ « ظل » . وعدى الفعل « يغنى » بحرف من ، لتضمنه معنى يبعد . والضمير في قوله - سبحانه - : * ( إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . . ) * لجهنم ، لأن السياق كله في شأنها وفي شأن المصطلين بلهيبها . والشرر : واحده شررة ، وهي القطعة التي تتطاير من النار لشدة اشتعالها . والقصر : البناء العالي المرتفع . وقيل : هو الغليظ من الشجر . أو هو قطع من الخشب ، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد . وقوله : * ( جِمالَتٌ ) * جمع جمل - كحجارة وحجر . قال الآلوسي : « جمالة » بكسر الجيم - كما قرأ به حمزة والكسائي وحفص وهو جمع جمل . والتاء لتأنيث الجمع . يقال : جمل وجمال وجمالة . . والتنوين للتكثير . وقرأ الجمهور جمالات - بكسر الجيم مع الألف والتاء - جمع جمال . . فيكون جمع الجمع . . « 1 » . والمعنى : إنها - أي : جهنم - ترمى المكذبين بالحق ، الذين هم وقودها ، ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها ، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع في عظمها وارتفاعها . وقوله - تعالى - : * ( كَأَنَّه جِمالَتٌ صُفْرٌ ) * وصف آخر للشرر ، أي : كأن هذا الشرر في هيئته ولونه وسرعة حركته . . جمال لونها أصفر .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 126 .